ذراع الذكاء الاصطناعي في ألفابت، "Deep Mind"... ماذا تُعدّ للعالم في المستقبل؟

 

 

لم تكتف جوجل "أو ألفابت" بإنشاء فريق لتعلُّم الآلات Machine Learning لتبدأ الدخول في مجال ذكاء الآلات، وإنما قامت بشراء تلك الشركة التي مقرها لندن والتي أسسها ثلاثة من الشباب الذين يجمعهم الاهتمام والمعرفة بصناعة الألعاب وعلم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، في أكبر عملية استحواذ في أوروبا للعام 2014 بقيمة 650 مليون دولار أمريكي. على الرغم من أن شركة DeepMind لم تكن أطلقت أي نوع من المنتجات ومن غير المتوقع أن تُدر ربحا قبل 5 سنوات من الآن على الأقل. لكنها ستكون بمثابة ذراع بحثية أخرى –بجانب جوجل إكس- وتطوير تقنيات ومنتجات ألفابت.

 

 

 

لم يستغل مؤسسو "ديب مايند" خبرتهم في مجال صناعة الألعاب والحوسبة المتقدمة لكي تدر عليهم ربحاً من بيع الألعاب الذكية، لكنهم كانوا مهتمين بالدخول بقوة في مجال تعلُّم الآلة والذكاء الاصطناعي بشكل مفيد للبشرية. تجمع الشركة في عملها بين فكرتين بحثيتين واعدتين، هما: إنتاج "شبكة عصبية عميقة للآلات"، وتعزيز "خوارزمية التعلُّم لدى الآلات بطريقة جوهرية"؛ فهم مهتمون بالخوارزميات التي يمكنها استخدام ما تعلموه من مجال واحد لاستخدامها في تطبيق تلك المعرفة على مجالات جديدة أخرى؛ فبدلا من تعليم الآلة كيفية فهم لغة ما، أو التعرف على الوجوه، أو الاستجابة إلى الأوامر الصوتية، هم يريدون عمل شبكة عصبية للآلة تمكنها من اتخاذ القرارات - كما يفعل البشر - في أي حالة كانت، وذلك من خلال تزويدها بخوارزميات تمكنها من إضافة الخبرات لنفسها حتى تكون قادرة على اتخاذ القرارات الصائبة.

 

 

على موقع DeepMind، يشرحون مهمة الشركة اختصارا باسم "حلول للذكاء الاصطناعي". كما يصف مؤسسها "ديميس هسابيس" هذا بأن جهد "ديب مايند" يأتي على غرار مشروع "أبولو" الفضائي الذي نفذته مشروع جامعة مانهاتن عن طريق جمع 100 عالم من 40 بلدا مختلفاً للعمل معا في محاولة إحراز تقدم سريع قدر الإمكان لإرسال  هذا العصر إلى القمر، ولكن هذه المرة لتحقيق إنجاز قياسي في مجال الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، يقول "ديميس": "لقد جمعنا كبار علماء أعصاب الحوسبة حول العالم، فضلا عن خبراء تعلُّم الآلة، مع توفير الموارد الهندسية الضخمة، لنرى إلى أي مدى يمكننا أن نصل".

 

 

 

معظم الذكاء الاصطناعي اليوم يعمل حول البرمجة المسبقة للأجهزة، أما "ديب مايند" فهم يسلكون فيها نهجاً أكثر تقدماً، هم يريدون أن يصلوا بالأجهزة لدرجة تجعلها قادرة على تعليم نفسها بنفسها، وهذا أقوى بكثير. هذه هي طريقة تعليم النظم البيولوجية في الإنسان. يقول "ديميس": "نحن نحاول بناء خوارزميات عامة في الوقت الحالي، لكننا سنحتاج مثلا لعمل ذاكرة طويلة المدى للآلة؛ وذاكرة عاملة بحيث يمكنها التبديل بين المهام. اليوم يمكنك إنشاء برامج جيدة لحل مهام محددة مثل لعب الشطرنج أو قيادة السيارة، لكن نظامنا يعتمد على تعليم الآلة كيفية لعب الشطرنج، أنت ستعطيه كل المعرفة التي يحتاجها، التحركات، مفاتيح اللعب، ونهايات اللعبة، وهو سيتعامل، إنه ليس برنامجا هنا، إنه عقل يفكر ويأخذ قرارات.

 

 

السيارات ذاتية القيادة هي واحدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولكنها تعتبر تطبيقاً ضيقاً جداً بالنسبة لما يسعى إليه فريق ألفابت لبحوث الذكاء الاصطناعي "ديب مايند"؛ فهم يُجرون مسحا لدماغ الإنسان، ويدرسون آلية عمل التخيُّل لديه، ويتعرفون إلى المناطق المسؤولة عن أفعال الإنسان في مخه، ويبنون نماذج محاكاة بناء على ذلك حتى يستطيعوا فهم عملية الإدراك أو العقل لدى الإنسان، بما في ذلك عملية الإبداع. ولا يتوقع العاملون بها الوصول لشيء يستحق بخصوص هذه البحوث أو تطبيقات عملية لها قبل 20 عاماً من اليوم.

 

 

اقرأ أيضاً: ماذا تُعدّ "جوجل إكس" -ذراع ألفابت البحثي- لنا في المستقبل؟

 

أما في غضون الخمس سنوات المقبلة، يرى المدير التنفيذي لـ "ديب مايند" أنهم سيعملون على جعل حياتنا اليومية أكثر ذكاءً وقابلة للتكيُّف مع أمورنا. بحيث تفهم الآلات التي نستخدمها حالاتنا المزاجية وما ننوي فعله لتساعدنا في عمله؛ فمثلاً –كما يقول "ديميس"- عندما أنوي القيام برحلة في أنحاء أوروبا، ينبغي على هاتفي الذكي أن يقوم بعملية حجز الفنادق والمطاعم ورحلات الطيران المناسبة لي، وتحديد الأماكن الأثرية التي سأزورها، من نفسه وبالنيابة عني.

 

أو إن كنت سأنتقل للعيش في مدينة جديدة، ولدي أطفال... أن يحدد لي أنسب منطقة سكنية لي ولأطفالي لنعيش بها وتكون قريبة من احتياجاتهم. ويضيف قائلاً: "نحن في "ديب مايند" نتواصل مع الشركات التي تجمع البيانات المتعلقة بحالة الطقس، في محاولة جديدة لتحديد نموذج فهم حالة الطقس والمناخ عن طريق تعليم الآلة، سيمكننا عمل تحليلات وتنبؤات أضخم من التي تتم اليوم، ومن الممكن أن يسهم ذلك في خروج العديد من المنتجات المختلفة في المستقبل القريب".

 

 

 

في الوقت الحالي، يعمل جزء من "ديب مايند" على تطوير منتجات وتقنيات جوجل من خلال الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، هم يطورون التوصية في فيديوهات يوتيوب recommended for you حسب اهتمامات كل مستخدم عن طريق تزويد الموقع بخوارزميات تتعرف على المرئيات الأكثر مشاهدة من المستخدمين لكي توصي بأفضل ما يمكن مشاهدته في الوقت المناسب لكل مستخدم حسب اهتماماته ولغته وموقعه الجغرافي، ومع دراسة ردود الفعل المتكررة، يمكنهم تحسين النتائج مع مرور الوقت.

 

 

كذلك تبحث DeepMind في فهم اللغات الطبيعية باستخدام الأساليب العصبية لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم خلق أنظمة قراءة الآلة لكم هائل من البيانات دون أي برمجة يدوية، من أجل تطوير خدمات الترجمة. يعملون على تحليل النصوص الموجودة على واجهات المتاجر حتى يتأهب الناس للخصومات المتوفرة في متجر معين أو ما تقوله القائمة في مطعم معين، ويقومون بذلك بمستوى عال جدا من الدقة. يستخدمون التعلم العميق للكشف عن الرسائل غير المرغوب فيها بخدمة البريد الإلكتروني "جيميل". هم يركزون كذلك على الصحة، ومتحمسون جداً لمجال "الطب الوقائي" على وجه الخصوص.

 

 

 

فيما يتعلق بأبحاث الذكاء الاصطناعي في الحقل العسكري، كان رائد الأعمال الأمريكي "إيلون ماسك" وهو أحد المستثمرين الأوائل في "ديب مايند" قد ذكر في وقت سابق أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أخطر على البشرية من القنبلة الذرية، وصرّح بأن استثماره في "ديب مايند" ليس من أجل جني الأرباح من ورائها، ولكن بهدف إبقاء النظر على الجديد في المجال.

 

 

رد "ديميس" على هذا الأمر قائلاً: "الذكاء الاصطناعي يأخذ صورة سيئة في أذهان معظم الناس من أفلام هوليود كـ"Ex Machina" و" The Terminator" و"Transcendence" الذي يصوّر الآلة على أنها كائن شرس سيلتهم العالم كله بغير رأفة. لكننا نسعى لحل مشكلات فاصلة يعاني منها العالم الآن كنُدرة الوصول إلى المياه النظيفة، والتعامل مع مختلف التعاملات في البورصات وتداول الأوراق المالية (التي كانت الأزمة المالية في 2009 إحدى أشكالها من قريب أو بعيد)، والحد مع انتشار الأوبئة والتغيرات المناخية الغير معتادة... كل هذه المسائل معقدة بشكل هائل، ومن الصعب بالنسبة للبشر تحليل كل تلك البيانات. الذكاء الاصطناعي سيساعدنا في فهم وتحليل تلك البيانات وفي عملية اكتشاف طبيعة وأسباب تلك المشكلات".

 

 

وكان لسليمان الشريك المؤسس في "ديب مايند" رداً على ذلك التصريح، قائلاً: "يمكن للشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي الالتزام بمعايير تحقيق السلامة والأمان في أبحاثها ومنتجاتها، نحن في DeepMind نهدف إلى انتهاج (الأخلاق والسلامة) في الذكاء الاصطناعي، وكان من ضمن خطة استحواذ جوجل على شركتنا أن تكون هناك لجنة مستقلة تسعى للحفاظ على الجانب الأخلاقي والسلامة وتنظر في الآثار المترتبة على تطور الذكاء الاصطناعي".

 

 

أخيرا هل ستصل "DeepMind" بذكاء الآلة لدرجة تضاهي أو تتفوق على الإنسان في اتخاذ القرارات؟ وهل ستدفع بالذكاء الاصطناعي في اتجاه حل كبرى مشكلات العالم، أم أن التطورات المحيطة بها ستدفعها لتكون عبئاً عليه؟