كيف كان اقتحام "جوجل" لمجالات أخرى بخلاف "البحث" مُخططاً له منذ نشأتها؟

 

فوجئ العالم التقني يوم الإثنين الماضي 10 أغسطس 2015 بتحوّل جديد من نوعة يخص عملاقة التقنية "جوجل"، حيث قرر كل من "لاري بيج" و"سيرجي برين" أن تندرج جوجل تحت مظلة أكبر، وسميت "Alphabet" ألفابت بمعنى "أبجديات" بالعربية، و"ألفابت Alphabet" تعتبر بمثابة الشركة القابضة التي ستضم خدمات ومنتجات جوجل التي خرجت من تحت عباءتها في السنوات الماضية (البحث، الخرائط، الإعلانات، يوتيوب، جيميل، أندرويد، كروم...).

 

وذلك لكي تكون إلى جانب الشركات التي استحوذت عليها أو التي تعمل على مشاريع كبرى (مثل كاليكو، جوجل فينتشرز للشركات الناشئة، جوجل كابيتال للاستثمار، نيست لمنتجات الموبايل...) بحيث تكون كل شركة مستقلة بذاتها (موقع يوتيوب مثلاً له فريق عمل مستقل منذ فترة، لديه علامة وهوية تجارية منفصلة، وله أسهم في البورصة بشكل خاص...)، ومجموعة المنتجات التي هي تحت جوجل سيكون لها مدير تنفيذي جديد هو "سيندار بيشاي" ليحل محل "لاري بيج" ويصعد لاري لإدارة جوجل الجديدة المُسماة بـ "ألفابت".

 

السؤال هنا: هل كانت هذه الرؤية موجودة لدى المؤسسين عند نشأة جوجل؟ هل كان دخولهما إلى مجالات تقنية مختلفة غير البحث وتنظيم معلومات العالم مُخططاً له؟

 

150810110546-google-alphabet-graphic-custom-1.png

 

بعد فترة وجيزة من تأسيسها، نشرت جوجل وثيقة على موقعها بعنوان "عشرة أشياء نؤمن بصحتها Ten things we know to be true"، كانت محاولة لتلخيص فلسفة جوجل أو ثقافتها المؤسسية في قائمة مختصرة من الوصفات. من بين الأفكار التي تحدثت عنها جوجل في هذه الوثيقة كانت تقول: "من الأفضل أن تفعل شيئا واحدا حقيقيا، بشكل جيد جداً It’s best to do one thing really, really well."، وجاء في بداية الفقرة التي تتحدث عن تلك النقطة بالتفصيل، جملة تقول بوضوح: "نحن نقوم بالبحث We do search".

 

اليوم وبعد أن مر على جوجل 16 عاماً ونحن نشاهد تطور منتجاتها والشركات الناشئة التي تضمها لأسطولها سنوياً، ودخولها في مجالات أخرى غير البحث والإعلانات على الإنترنت، مثل أنظمة التشغيل، ومتصفح الإنترنت، والتخزين السحابي، والسيارات ذاتية القيادة، والذكاء الاصطناعي، وتقديم خدمات بث الإنترنت اللاسلكي... وبعد أن سمعنا عن هذا التحول الذي سيجعل "جوجل" التي كنا نعرفها، واحدة ضمن مجموعة ضخمة من المنتجات والشركات التي تطمح في الوصول إلى ما يمكن تغطيته في التقنيات الحديثة. ألا تبدو هذه الفكرة غريبة الآن!

 

 

اقرأ أيضاً: تعرف على مدير شركة "جوجل" الجديد "سندار بيشاي" وبدايته من الصفر!

 

هذه الوثيقة التي نتحدث عنها (وبالمناسبة كان لاري بيج الشريك المؤسس قد ذكر أمرها في خطابه الآخير حول تدشين "ألفابيت") كانت قد نُشِرَت في العام 2000 وما زالت متاحة للآن، كانت فكرتها عبارة عن تلخيص سياسة جوجل في العمل للجمهور، وكانت هذه الفكرة من إبداع "دوجلاس إدوارد" مدير التسويق الأسبق لدى جوجل، كتبها بنفسه بالاتفاق مع المؤسسين بالطبع. "إدوارد" في كتاب له يحكي عن السنوات التي قضاها في العمل مع جوجل، يقول: "كان هناك عدم يقين في جوجل حول ما إذا كانت ستستطيع الشركة حقاً الاستمرار على التركيز في البحث فقط. "لاري بيج" و"سيرجي برين" كانا يُضمران رؤى بعيدة المدى بإمكانية تغيير العالم من خلال التكنولوجيا التي بين أيديهما، وبدا أنها ليست فكرة جيدة أن يحدّ محرك البحث على شبكة الإنترنت من أفكارهما. كما قال: إن "لاري" كان يعرف أنه عند نقطة معينة سوف يغير خطته أو يقوم بتحديثها، حتى إنني واجهتُ منه مقاومة بشكل ما بشأن إحدى النقاط العشر المكتوبة في الوثيقة، والتي تقول (من الأفضل أن تفعل شيئاً واحداً)".

 

يُضيف إدوارد: "كانت رؤية لاري الشخصية دائما حتى من قبل العام 1998، أن يحقق شيئاً ضخماً مثل مجموعة جنرال إلكتريك (المعروفة بعملها في مجالات عديدة ومتنوعة: الطاقة والمياه، الوقود، الطيران والنقل، الصحة، الخدمات المالية، وتطوير البرمجيات...)، وكانت جوجل هي أول تطبيق عملي لتصوره هذا. في البداية، كان السيد لاري لدية رغبة للعمل على عاملين أساسيين يراهما من أهم عوامل نجاح مثل هذه الشركات الكبرى، وهما (التركيز) و(التوسع)". فهل هذا يعني أن شراء جوجل للشركات وضمها مع الاحتفاظ بهويتها ومديريها، أو القيام بمثل ذلك مع المنتجات التي خرجت بأيدي مهندسيها، يندرج تحت فكرة "التركيز"؟ وأن التوسُّع الذي شهدناه مع جوجل في السنوات الماضية كان هو المطلوب، وأن ما رأيناه خلال الأيام القليلة السابقة هو التطبيق العملي للتركيز والتوسع معاً؟. في هذا الصدد نذكر لكم أنه منذ سنوات ليست ببعيدة، كان "آرون ليفي" الرئيس التنفيذي لشركة تخزين البيانات السحابية "Box" قد غرّد على حسابه في تويتر ذات مرة، ساخراً من سياسة جوجل وأفعالها المناقضة لكلامها المكتوب في الوثيقة، قائلاً: "جوجل تُركّز على كل شيء"!.

 

 

من ناحية أخرى، اعتاد "لاري بيج" المدير التنفيذي –السابق- لجوجل أن يكرر في أحاديثه أن صناعة التقنية تتطور بسرعة وتنتج خبرات عديدة جداً أمامهم، وهذا يُمكِّنهم من تطبيقها على العشرات من المشاكل الأخرى التي تؤثر على البشرية. فهل نعتبر أن سياسة "التركيز" على منتجات مختلفة وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها، ثم نموها وانتشارها "سياسة التوسع" من الممكن أن تكون إستراتيجية أو وصفة جديدة لشركات أخرى –فيسبوك مثلاً!- فهل بإمكانهم أن يحذوا حذوها لتحقيق نجاحات عملاقة؟

 

الهيكل المؤسسي الجديد لـ "Alphabet" يبدو مُرتَّبا وأنيقا وهو يضم العديد من الشركات التي تكرس جهودها لحل مشاكل تقنية، وفي نفس الوقت سيسمح للمدير التنفيذي "لاري" بالتركيز على المجموعة بشكل أقوى، وسيتفرغ من محرك البحث والإعلانات وغيرها لمتابعة الفرص والتحديات التي تعرضها صناعة التكنولوجيا أمامهم، (بالإضافة لإرضاء طموحه هو وشريكه بالطبع!). وبالتأكيد سيدعم النظام الجديد تفوق كل شركة ضمن مجموعة ألفابت فيما تقدمه، كما ذكر "لاري" أن استقلال يوتيوب عن جوجل في الفترة الأخيرة تحت الإدارة التنفيذية لـ "سوزان وجيسكي" كانت نتائجه ممتازة للغاية.

 

 

هناك أمر آخر يخص العائد المالي لمجموعة "ألفابت"، حيث كتب لاري بيج يوم الإثنين الماضي: "يعجبنا الاسم الجديد Alpha-beta حيث إن Alpha تعني بالنسبة لنا (أعلى عائد على الاستثمار يمكننا الوصول إليه من منتجاتنا المتنوعة "التي تبدأ بحروف ابجدية مختلفة") وهذا ما نسعى الآن لتحقيقه". فهذه الخطوة ربما تكون أكبر من طموحات لاري بيج أو جوجل. من حيث القيمة السوقية لأسهم الشركات التابعة لهم في السوق، وقوة منافستهم في السوق، خاصة بعد هزيمة جوجل مؤخراً في وادي السليكون أمام شركة ابل، فيبدو أن اتحاد منتجات جوجل بشكل منظم أحد أشكال القوة المطلوبة الآن.

 

ومن ناحية ثقافة العمل داخل شركات كبرى مثل جوجل، فهذه خطوة منقطعة النظير بلا شك في صناعة التكنولوجيا، بل في مجال الأعمال بالكامل، باعتبار أن شركة جوجل تعد رمزا ومصدرا لثقافة العمل الحديث لدى الشركات الأخرى "خاصةً داخل وادي السليكون"، ثقافة تُحركها الهندسية وتُقمَع فيها الهرمية المؤسسية -الموجودة داخل أغلب شركات العالم-، ويأخذ موظفوها فسحة واسعة للعمل على المشاكل التي تثير أذهانهم، حتى لو كان يبدو أنها بعيدة عن مهمة الشركة المركزية.

 

 

سنحتاج مزيدا من الوقت حتى نحكم على نجاح سياسة "التركيز" و"التوسع" التي تبنتها جوجل بطريقتها الخاصة، وحتى نرى كيف سيُحدِث هذا التحوُّل الأخير فرقاً مع جوجل -أو بالأحرى نسميها "ألفابت"- وموظفيها وعملائها ومنافسيها؛ فإذا أثبتت هذه السياسة نجاحاً، فنتوقع أن تكون هذه إستراتيجية جديدة تُدرَّس داخل كلية إدارة الأعمال بهارفارد ومعهد التقنية ماستشوستس، وقبل ذلك سيكون الكثير من الشركات حول العالم قد سعى لنسخ هذه الإستراتيجية وتطبيقها.

 

كذلك، يقول خبراء التقنية: إن كل قطاع من قطاعات الحياة العصرية سيتأثر بهذا الترتيب الجديد على نحو متزايد، بما في ذلك الرعاية الصحية والنقل والإعلام والتعليم، حيث إن تطبيق الليبرالية في تكنولوجيات الحوسبة يبشر دائماً بنتائج أفضل. على أية حال، سنرى ماذا سيحدث في الأيام القادمة.