الشبكة الإخبارية "هافينغتون بوست" التي بدأت من الإنترنت ووصلتنا بعد 10 سنوات.. ما قصة نشأتها؟

 

 

موقع "هافينغتون بوست HuffingtonPost" الإخباري الذي بدأ في عام 2005. أحد أشهر 15 موقعا إخباريا عالميا (وبالأخص في الشأن السياسي)، احتل المرتبة الأولى لتلك القائمة في العام 2012، وحتى اليوم، لا يزال يطرح الأخبار المهمة والمقالات المميزة عن طريق شبكة من المدونين ممتدة في كل أنحاء العالم. الموقع يستقطب ثمانية ملايين مشاهدة فريدة في الشهر. وفي بداية العام 2011 استحوذت شركة الاتصالات الأمريكية AOL على الموقع بقيمة 315 مليون دولار. فما القصة وراء تأسيس تلك المنصة الإخبارية ونجاحها بهذا الشكل؟

 

السيدة "أريانا هافينغتون" نشأت في اليونان، كانت تحلم بالذهاب إلى جامعة كامبريدج. وفعلت ذلك بالفعل. في بداية حياتها المهنية، كانت تطمح أن تكون كاتبة جادة، ولكنها كانت تحصل على القليل من المال وأحياناً يتم رفض مقالات لها. حصلت على قرض حتى تستطيع العمل على مشاريع كتابية خاصة بها، وظلت تحاول في هذا المسار، حتى نشرت عشرات الكتب. هافينغتون الآن لديها 64 عاماً، وصاحبة طموح عال وموهبة فذة في وضع الأمور نصب عينيها لتحصل على ما تريد.

 

تحكي أريانا عن نشأتها، فتقول: كان والدي يعمل صحافيا، وخلال الحرب العالمية الثانية عندما احتلت ألمانيا اليونان، كان يقوم بنشر إحدى الصحف من تحت الأرض. تم القبض عليه وإرساله إلى معسكر اعتقال، حيث أمضى بقية الحرب. وتعافى في مصحة في اليونان، التقى فيها بوالدتي، التي كانت تتعافى من مرض السل، ثم تزوجا وأنجباني. أمي كان لها أكبر تأثير في حياتي... ففي يوم ما، كنت قد شاهدت صورة لجامعة كامبريدج في إحدى المجلات، قلت إنني أريد أن أذهب إلى هناك، الجميع ضحك وسخر مني، عدا والدتي قالت لي "حسنا، دعينا نعرف كيف يمكنك الذهاب إلى هناك."، اقترضتْ والدتي المال حتى نستطيع الذهاب إلى إنجلترا. وأوضحت لي أنه لو فشلت -أي لم أستطع أن أدخل كامبريدج- فإنها ليست معضلة كبيرة؛ ولكنني اجتزت ودخلت بالفعل.

 

في كامبريدج، كنت متحمسة جداً  للدخول في المناظرات والتقديم لها. لم أكن أبداً في جبهة أقصى اليمين. إحدى المناظرات التي شاركت فيها كانت حول دور الحكومة في الأسواق، تم اختياري لإلقاء كلمة الافتتاح، وأثارت جدلا ضد السوق الحر غير المنظم. رحلتي السياسية كلها كانت تميل إلى صف الشعب وتفعيل دور الحكومة.

 

انتقلت إلى نيويورك من لندن في عام 1980، وفي عام 1986، تزوجت من السياسي "مايكل هافينغتون" وانتقلنا إلى واشنطن. كتبت سيرة "بيكاسو" وكتاب عن "غريزة الإنسان لأجل المعنى". في منتصف التسعينيات، كتبت عمودا مشتركا، واستضافوني للحديث في الإذاعة العامة. كنت قد انفصلت عن زوجي بعد أن أنجبت منه طفلتين، تعلمت الكثير من تلك التجربة. لكن التحول الذي فرق معي على المستوى العملي... أنني صّرحت لأكثر من مرة بأنه يجب أن تكون هناك فرص متكافئة بين المترشحين إلى رئاسة الحكومة الأمريكية، وأننا بحاجة إلى حكومة ناشطة. كان هذا التحول واضحا جدا، وحدث بعد تولي "نيوت غينغريتش" الحكم الجمهوري في عام 94.

 

كيف بدأت شبكة "هافينغتون بوست" الإخبارية على الإنترنت؟

 

 

قبل هافينغتون بوست. كانت أول مشاركة لـ "أريانا" على الإنترنت من خلال موقع يسمى Resignation.com الذي دعا إلى استقالة الرئيس بيل كلينتون، وكان مكان تجمع لمعارضة حزب المحافظين. ثم أنشأت موقعاً لها على الإنترنت يسمى Ariannaonline.com

 

في عام 2003 انضمت أريانا لإدارة حملة ترشيح لحاكم ولاية كاليفورنيا، وكانت حملة فاشلة، ولكنها تعلمت منها عن قوة الإنترنت التي لم تكن تعرف أن لها هذا التأثير. أغلب أموال الحملة تقريبا وكانت مليون دولار، تم صرفها للدعاية عبر الإنترنت.

 

بعد السباق الرئاسي في 2004، كان لـ "أريانا هافينغتون" لقاء لمناقشة الدور المهم الذي لعبته وسائل الإعلام في الانتخابات. جمعها هذا اللقاء بـ "كين ليرر"، الذي أصبح الشريك المؤسس معها. ناقشا إنشاء منصة إلكترونية من شأنها أن تكون مزيجا من الأخبار المستمرة على مدار 24 ساعة، ومدونة جماعية لكتاب متنوعين. كانت هذه هي بداية هافينغتون بوست. وقد دُشِّن الموقع في مايو 2005.

 

كانا قد اتفقا أن يجمع كل منهما نصف إجمالي المساعدات اللازمة لإطلاق الموقع. "أريانا" انتهت من جمع نصيبها في المساهمة من جانب أصدقائها في أسبوع واحد. بعد عام ونصف العام، حصلوا على رأس مال استثماري من "سوفت بنك"، حيث كان "أريك إيبو" شريكاً إداريا هناك في ذلك الوقت، وانتقل بعدها للعمل معهم في هافينغتون بوست كرئيس تنفيذي. كذلك انضم لهم "كينيث ليرر" المدير التنفيذي الأسبق لشركة AOL في المراحل الأولى.

 

اقرأ أيضاً: هل يُمكن للمال أن يشتري السعادة..؟ تعرّف على إجابات رواد أعمال وصلوا إليها (على حد قولهم)

 

 

في البداية، لقي الموقع اهتمام المشاهير رفيعي المستوى واهتمام أصدقاء المؤسسين، كانوا يطلبون المساهمة من بعض الكتاب أمثال "لاري ديفيد"، "ديان كيتون" و"أليك بالدوين"، أول شخص دعوه للتدوين على المنصة كان المؤرخ الأمريكي والناقد الاجتماعي "آرثر شليزنجر جونيور"... لم يكن تدويناً بالمعنى لأنه أرسل  مقالاته عبر الفاكس. لم يكن لديهم المقدرة لأن يدفعوا للمدونين، ولكن انتشار الموقع ساهم بعد ذلك في طرح آلاف من الوظائف، وسرعان ما فتح الموقع أبوابه أمام عدد أكبر بكثير من المدونين من مختلف ألوان الطيف السياسي والثقافي. حتى أصبح رائدا في إغراء الكُتاب للعمل معهم مجانا في مقابل الحصول على قاعدة عريضة من القراء. وصار لديهم الآن ما يقرب من 8000 مساهم، من السياسيين والفنانين للأكاديميين وقادة المنظمات غير الربحية.

 

لأن شبكة هافينغتون بوست -أو هافبو HuffPo، كما يُطلق عليها اختصاراً- في كثير من الأحيان كانت تقترض بعض المواد التي تُنشَر عليها من مواقع إخبارية أخرى، فكانت تتعرض لانتقادات بسبب هذا الأمر. لكن الموقع أثبت أن جمع الأخبار من مصادر عديدة يمكن أن تكون خدمة يُقدّرها العديد من القراء، لأنها تساعدهم على التنقل عبر بحر من الأخبار المتنوعة على الإنترنت من مكان واحد. بل منذ تأسيس "هافينغتون بوست"، وقد برزت العديد من المواقع الأخرى التي تنحو نفس النحو في مجال جمع الأخبار، بنفس التنوع الذي يشمله الموقع في أقسامه التي تضم أخبارا ومقالات عن التكنولوجيا والإعلام والرياضة وغيرها من الموضوعات، فازدهرت من ذلك الحين صناعة "بوتيك" تجميع الأخبار.

 

في عام 2011 تم شراء المنصة من قِبل شركة AOL في صفقة من شأنها أن تجمع كل المحتوى التحريري من الشركات على حد سواء. ساهم هذا الأمر في حصول الموقع على جولة أخرى من التمويل، وأعطاه تقييما ماليا يزيد عن 100 مليون دولار. في حين أن AOL دفعت لشرائه 315 مليون دولار.

 

ومؤخراً في بداية العام 2015، إضافة لإنجازات هافينغتون، أن فتحت الباب لـ 377 مليون قارئ آخر في المنطقة العربية في 22 دولة للاطلاع على أخبارها الرسمية باللغة العربية، وكتابات لمدونين وكُتّاب من المنطقة العربية، والسيدة "أريانا" كانت مسرورة بهذا التقدم جدا.ً